لسانيات النص: النشأة والمفهوم والمهام
لسانيات النص
لسانيات النص علمٌ ناشئٌ جديد بدأت أول معالمه تظهر تدريجيًا في بدايات السبعينات من القرن الماضي، وما يميز هذا العلم عن بقية فروع اللسانيات انه اِنفرد عنها من جهة النشأة والتطور: يقول الدكتور "سعيد البحيري": «من الممكن أن يعد علم لغة النص أحدث فروع اللغة، غير أنه يتميز عنها من جهة النشأة والتطور؛ إذ إّنه لم يرتبط -كما يذهب أغلب مؤرخي هذا العلم- في نشأته وتطوره ببلد معيّن أو مدرسة بعينها أو باتجاه محدد، بل على العكس من ذلك كله» .
وتكاد تتفق جل التعريفات على أنّ لسانيات النّص «فرعٌ من فروع علم اللغة يدرس النصوص المكتوبة والمنطوقة...وهذه الدراسة تؤكد الطريقة التي تنتظم بها أجزاء النّص، وترتبط فيما بينها لتخبر عن الكلّ المفيد» . وتهتم لسانيات النص بــــ: «دراسة مميزات النّص من حيث تماسكه ومُحتواه الإبلاغيّ التواصلي» .
ويتميز لسانيات النص – أيضا-بتشعبها الكبير، فلا نكاد نجد اِتفاقاً وإجماعاً عامًّا من الباحثين حول مفاهيمه وتصوراته ومناهجه «فقد استوعبَ حدًّا لا يُستهان به من المفاهيم، نظراً لكثرة منابعه واِتساع مشارب الباحثين فيه» .
نشأ هذا العلم ونما في الثقافة الغربية، ولذلك فإنّ مصطلحاته جاءت بغير اللغة العربية، فهذا العلمُ له اِسمٌ واحدٌ هو: Text linguistics، :لكن عند نقله للعربية نجد له الكثير من الترجمات أذكر منها:
- لسانيات النص: استعمله الباحثان: "محمد خطابي" و "تمام حسّان".
- علم لغة النص: استعمله الباحث: "سعيد حسن البحيري".
- علم اللغة النصي: استعمله الباحثان: "صبحي إبراهيم الفقي"، و"فالح بن سيب العجمي".
- نظرية النص: استعمله الباحث "إبراهيم خليل".
- علم النص: استعمله كلٌّ من: "صلاح فضل" و"جميل عبد المجيد".
ويبدو أن الترجمة: لسانيات النص هي الاقرب للاستعمال نظراً لشهرتها بين الباحثين والدارسين. وهذا المصطلح يعني: علم لغة النص، مع الاشارة أن مفهوم النص يتعدى ذلك التركيب الجملي المكتوب –كما سنعرف لاحقاً-إلى الإعلان والإشهار والمقال الصحفي واللافتات التجارية وكل منتوج ثقافي معاصر يتشكل في هيئة نص.
:مهام لسانيات النص
إنّ الهدف الرئيس من لسانيات النص هو تحديد الملامح أو السمات المشتركة بين النصوص، ووصفها وتحليلها استناداً إلى معايير مختلفة والكشف عن أوجه الاختلاف والفروق الدقيقة بينها، فبعد أن ظهر عجز الاعتماد الكلي على الأبنية اللغوية على تفسير بعض ظواهر النص بدقة، ظهرت الحاجة الملحة إلى الاستعانة بعناصر غير لغوية كعلاقة النص بالسياق الاتصالي وتأثيره في المتلقي، يقول "تون فان دايك" متحدثاً عن مهمة لسانيات النص بأنَّهَا وصفُ :« الجوانبِ المختلفة لأشكال الاستعمال اللغوي، وأشكال الاتصال ويوضحها، كما تحلل في العلوم المختلفة ترابطها الداخلي و الخارجي... والكشف عن الخصائص المشتركة و سمات الأبنية والوظائف»
ثم إنّ قطب الرحى في لسانيات النص هو إثبات نصية نصٍّ محدد من عدمها، لأن فائدتها الحقّة تكمن في التفريق بين ما هو نص يصلح للدراسة والوصف والتحليل وبين اللانص، فهي تشبه الغربال في أنها تكشف ترابط النصوص والتحام أبنيتها وتعالق وحداتها، ولذلك يرى اللغوي الأمريكي "روبرت ديبوغراند" «أنّ العمل الأهم للسانيات النص هو دراسة مفهوم النصية من حيث هو عاملٌ ناتجٌ عن الإجراءات الاتصالية المتخذة من استعمال النص» .
ومن مهامها أيضاً تقديم خدمات مهمة لبعض العلوم الأخرى كالترجمة وعلوم الاتصال واللسانيات التطبيقية وخصوصاً في مجال تعليم اللغات الأجنبية «إذا تم استغلالها في إعادة النظر لبعض القضايا التي لم تلق الاهتمام الذي تستحقه ومنها: علاقات التماسك النحوي النصي، وأبنية التطابق والتقابل والتراكيب المحورية، والتراكيب المتجزئة، وحالات الحذف، والجمل المفسرة والتحويل إلى الضمير، والتفريعات التركيبية وتوزيعاتها في نصوص فردية».
وهذا ما ذهب إليه "تون فان دايك" عينُه حين صرّح أن «علم النص علم متداخل الاختصاصات يهدف أساساً إلى تحليلٍ عامٍّ للنصوص، ويتعلق بكل أشكال النص الممكنة وبالسياقات المختلفة المرتبطة بها».
إضافةً إلى كلّ ذلك، يرى الدكتور "حماسة محمد عبد اللطيف" أنّ لسانيات النص «تدرس وتصف العلاقات والروابط اللغوية مثل العطف، السببية، والاستدراك والتحليل والعلاقات الدلالية الرأسية...كالمناسبة بين الآيات والسّور عند المفسّرين للقرآن الكريم، والفصل والوصل عند البلاغيين والعلاقات...منها التعميم والتخصيص، الاجمال والتفصيل وتختلف من نصٍّ إلى آخر».
ومن كل ما سبق ذكره نستنتج أنّ النص هو موضوع لسانيات النص الأهم فهي تصفه وتحلله وتبحث وسائل تماسكه وترابطه وتبين الفرق بينه وبين متوالية من الجمل من جهة أخرى، مستعملةً كل مستويات بدءًا من الشكلي إلى التركيبي والدلالي والصوتي والتداولي ...إلخ فهي تتجاوز الجملة لتبحث عن قواعد إنتاج النص وتماسكه.
إنّ تركيز لسانيات النص وتجاوزها لمجال الجملة أدّى إلى اتساع مجال الرؤية لديها، فهي لا تلغي العلوم التي سبقتها والتي تناولت اللغة ومستوياتها بالدراسة والتحليل –كلسانيات الجملة مثلا-بل إنّها تستفيدُ من نتائجها وتعتبرها نقطة انطلاق لهل لتفسير ظواهر لغوية عجزت عنها تلك العلوم.
إذن فلسانيات النص «أكثر المناهج المعاصرة تبلوراً وإفادةً من المقولات السابقة عليها واستيعاباً لهل لإدراجها في منظومتها العلمية».
إنّ اعتبار النص و التحليل النصي قطب الرحى ليس بدعا من القول أو الفعل، فقد شهدت نهاية القرن الماضي حركةً نشيطةً في العلوم الانسانية تمثلت في الاعتماد على مناهج تعتمد على التحليلات النصية ، وأذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: منهج تحليل المحتوى في علم الاجتماع، ومنهج تحليل المحادثة في علم الطب النفسي، وفي هذا الصدد يقول الدكتور صلاح فضل: «وينبغي أن نؤكد الربط بين انتشار علم النص وذيوع التحليلات النصية في مختلف العلوم الإنسانية و الاجتماعية الحديثة، وبروز مناهج متعددة» ، ولذلك فقد صرح فان دايك بأنه قد « انطلقت نداءات بضرورة الخروج من بوتقة التحليل على مستوى الجملة إلى مستوى أكبر هو التحليل على مستوى النص» ، ومن جهة أخرى فإنّ أمثل فهمٍ لظاهرة اللغة تكمن في دراسة النصوص وتجاوز مجال دراسة الجملة ؛ لأنّ الإنسان حين ينطق أو يكتبُ فإنّه يعبّرُ في ذلك الموقف اللغوي عن طريق حوارٍ معقّدٍ متعدد الأطراف، وبالتالي تكثرُ إدارة الموقف – كما أطلق عليها "روبت ديبوغراند" و"دريسلر"-وتتداخلُ وتتصادم الاستراتيجيات، ولا شكَّ أنَّ لسانيات الجملة أقل مستوى من لسانيات النّص لن تستطيع الوصف أو التفسير أو التحليل، مما يجعلنا نتأكّدُ من أهميّةِ لسانيات النص في فهم الظاهرة اللغوية.
